د. محمود خليل يكتب: مال اليتامى



نقلا عن جريدة الوطن 

المعاملات المالية من أكثر مساحات التفاعل البشرى حساسية وخطورة. فالمال هو السر فى أى صراعات أو منازعات تنشب فى دنيا الناس، لأنه أصل الطمع، ويحمل صدر الآية الكريمة من سورة الأنعام تنبيهاً على أهمية مراعاة الله فى مال اليتيم، ويقول تعالى فيها: «وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ».

عبارة «مال اليتيم» التى اشتملت عليها الآية الكريمة تحمل إشارة إلى ما يمكن أن نطلق عليه «المال الضعيف»، وهو المال الذى يمكن الاستيلاء عليه بسبب ضعف صاحبه وعدم قدرته على الدفاع عنه. اليتيم يحمل رمزاً على كل ضعيف صاحب مال لم يبلغ أشده بعد بحيث يستطيع الدفاع عن حقوقه، بدءاً من اليتيم الفعلى الذى فقد مصدر الحماية (الأم والأب)، وانتهاء بالإنسان الذى يوجد له نصيب فى بيت مال المسلمين لكنه لا يستطيع الحصول عليه أو الاستفادة منه، بسبب غياب عدالة التوزيع، تلك العدالة التى ظهرت فى التجارب الفريدة للخلافة الراشدة، مثل تجربة خلافة عمر بن الخطاب، الذى كان يوزع المال على المسلمين ويكنس بعدها بيت المال ثم يصلى فيه شكراً لله، والخليفة عمر بن عبدالعزيز، الذى كان ينادى المنادى فى عصره بحثاً عن الغارم ليسد عنه دينه، وطالب الزواج حتى يزوجه، وهكذا. مال اليتيم تعبير عن المال الذى لا يسيطر عليه صاحبه، بل ينوب عنه فى ذلك شخص آخر، وقد أمر الله تعالى من يجد نفسه فى هذا الموضع ألا يقترب من مال اليتيم إلا بما فيه «صلاحه وتثميره». فاستثمار المال وتنميته واجب أساسى لكل مسئول عن أى نوع من أنواع الثروة، وإن احتاج منه فعليه أن يأكل بالمعروف، وإن لم يكن فالواجب أن يستعفف، قال تعالى: «وَمَن كَانَ غَنِيًّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ»، وإذا آنس القائم على المال فى صاحبه الضعيف قوة وبلوغ الأشد فعليه أن يترك له أمر إدارته. فالمال فى النهاية لصاحبه.

وصاحب المال لا بد أن يتمتع بالنعمة التى وهبها الله له بدرجة من الاعتدال، وأن يعلم أن لمن حوله حقاً فى هذا المال فلا يبخل به عليهم ويعطيهم منه حتى لا يثير الأحقاد والضغائن، فالله تعالى أمر عبيده بأن يظهروا أثر نعمة الله تعالى عليهم: «وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ». وأثر النعمة يظهر فى أمرين؛ أولهما معيشة الفرد: «قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ»، وثانيهما فى عطائه للآخرين.

على الإنسان -بغض النظر عن مستوى غناه أو فقره- أن يعلم أن كثرة المال فى اليد أو قلته ابتلاء من الخالق العظيم، وعليه أن يحسن التعامل معه. يقول تعالى: «فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّى أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّى أَهَانَنِ».

لا يعبر الغنى والثراء عن رضاء الله، والفقر لا يعنى غضباً من الخالق أو إهانة للفقير، فالعز والإهانة أصله الكيفية التى يتعامل بها الإنسان مع المال إذا قل أو كثر فى يده. العبرة بالمعاملة.