قانون الإيجار القديم في قلب القاهرة ... "حيتان" تستغل ومدينة تحتضر
بقلم: نرمين محروس
في قلب القاهرة، حيث يجتمع عراقة الماضي وتطلعات المستقبل، يفرض قانون الإيجار القديم واقعًا معقدًا، حيث يتجاوز هذا الواقع الصورة الشائعة التي تقتصر على حماية "البسطاء"، ليكشف عن بروز فئة من المستأجرين يمكن وصفهم بـ "الحيتان"، فقد وظفوا هذا التشريع كأداة لتحقيق مكاسب مالية كبيرة، وذلك على حساب الملاك الشرعيين وعلى حساب التنمية الحيوية للمدينة ذاتها.
من اللافت للنظر أن شريحة غير قليلة من مستأجري المحلات التجارية في المواقع الاستراتيجية بوسط البلد لا يمتون بصلة لفئة محدودي الدخل كما يُشاع غالبًا، فهم في الحقيقة مستثمرون كبار، يسيطرون على محلات ذات قيمة سوقية هائلة بعقود إيجار قديمة، يدفعون بموجبها مبالغ زهيدة لا تتجاوز في كثير من الأحيان بضع عشرات من الجنيهات شهريًا، بينما في المقابل، يحققون أرباحًا خيالية إما من أنشطتهم التجارية المباشرة أو من خلال إعادة تأجير هذه المحلات من الباطن لشركات كبرى أو علامات تجارية معروفة (هذا الأكثر إثارة للجدل)، والنتيجة الحتمية لهذا الوضع هي أملاك منافعها ضائعة وملاك مقيدون، لا يملكون حق التصرف الفعلي في أملاكهم، فوسط المدينة التاريخي يعاني الشلل ويُحرم من التطوير والاستثمارات الجادة التي يمكن أن تعيد إليه رونقه.
المفارقة الصارخة تكمن في أن المالك الأصلي، الذي يفترض أن يكون صاحب الحق الأول، يجد نفسه عاجزًا عن المطالبة بإعادة تقييم القيمة الإيجارية أو حتى تعديل بنود العقد بما يتناسب مع المتغيرات الاقتصادية وقيمة العقار السوقية الحالية، بينما يقوم المستأجر "الحوت" بإعادة تأجير نفس المحل، الذي حصل عليه بقيمة رمزية، إلى طرف ثالث بمبالغ قد تصل إلى عشرات الآلاف من الجنيهات شهريًا، محققًا فارقًا هائلاً يصل إلى مئات الأضعاف بين ما يدفعه للمالك وما يجنيه هو.
ورغم هذا الخلل البين، ما زال البعض يتعامل مع أي محاولة لتعديل أو مراجعة هذا القانون وكأنها اعتداء على حقوق "الضعفاء"، متناسيًا أن المستفيد الحقيقي في هذه المعادلة هو من استغل القانون ليراكم الثروات.
إن الضحية الأكبر في هذه المنظومة المختلة ليست فقط الملاك المغلوب على أمرهم، بل المدينة ذاتها وأجيالها الشابة، فكم من شاب طموح يحلم ببدء مشروع صغير، سواء كان مقهى ثقافيًا، مكتبًا لشركة ناشئة، أو أي نشاط حر يمكن أن يساهم في إنعاش وسط البلد، ليصطدم بالجدار الأصم "عقود الإيجار القديمة"، حيث المحلات إما مغلقة ومجمدة كأصول تنتظر التوريث داخل أسر المستأجرين، أو مؤجرة من الباطن بأسعار فلكية تفوق قدرة أي مستثمر صغير، وهكذا، يُغلق الباب أمام التجديد وضخ دماء جديدة في شرايين العاصمة، وتُحرم القاهرة من استعادة قلبها النابض بالحياة والفرص.
إنها دعوة صريحة لإعادة النظر في واقع مرير، حيث تحول القانون الذي وُضع يومًا لحماية فئة معينة إلى أداة يستغلها البعض لتحقيق مكاسب غير عادلة، بينما يدفع المالك الأصلي والمدينة بأكملها الثمن، والسؤال: هل يستمر هذا الوضع الذي يسمح لمستأجر بالتربح من ملك غيره، بينما المالك الحقيقي لا يملك نفس الحقوق في ملكه؟ سؤال ينتظر إجابة تشريعية عادلة ومنصفة.
