جمعية الثقافية الأرمنية “هوسابير” تنظم مهرجانها الصيفى لفرقة “سارداراباد"
منى سعيد
فى أمسية احتفت بالتراث والهوية، وتحولت فيها خشبة المسرح إلى نافذة على التاريخ والثقافة، نظمت جمعية الثقافية الأرمنية “هوسابير”، مهرجانها الصيفى لفرقة “سارداراباد” للرقص، وذلك على مسرح “تشايكوفسكى” بالمركز الثقافى الروسى بالقاهرة، برعاية المطران أشود مناتساكانيان مطران الأرمن الأورثوذكس فى مصر.
جاءت الأمسية لتؤكد مجددًا المكانة التى يحتلها الفن فى حياة الجاليات الأرمنية حول العالم، ليس بوصفه وسيلة للترفيه فحسب، بل باعتباره أحد أهم أدوات الحفاظ على الهوية الوطنية، وصون الذاكرة الجماعية، وتعريف الأجيال الجديدة بتاريخها وتراثها، إلى جانب دوره فى تعزيز الحوار الثقافى مع الشعوب الأخرى.
نجحت فرقة “سارداراباد” فى تقديم عمل متكامل جمع بين الرقص والموسيقى والصورة، ليأخذ الجمهور فى رحلة عبر التاريخ الأرمنى، مستعرضًا، جانبًا من حضارة تمتد لآلاف السنين، وتواصل الحفاظ على خصوصيتها الثقافية رغم تحديات التاريخ والاغتراب.
وترافقت اللوحات الراقصة مع عرض صور لمعالم أرمينيا التاريخية، من الكنائس العريقة والقلاع القديمة إلى المناظر الطبيعية الخلابة، لتتحول خلفية المسرح إلى لوحة بصرية تعكس غنى التراث الأرمنى وعمقه الحضارى.
استهلت سيلا تشيلينجريان الأمسية بكلمة باللغة الأرمنية رحبت فيها بالحضور والضيوف، وقدمت نبذة عن تاريخ فرقة “سارداراباد”، مؤكدة، أن المهرجان الصيفى يهدف إلى توسيع آفاق التواصل الثقافى من خلال لغة الفن العالمية، وتعزيز التعاون مع مختلف الثقافات والتعريف بها.
كما ألقت لوريدانا مكرتشيان كلمة افتتاحية رحبت خلالها بالحضور، مؤكدة، أن الموسيقى والرقص يشكلان لغة مشتركة قادرة على التقريب بين الشعوب مهما اختلفت لغاتها وخلفياتها.
قدمت فرقة “سارداراباد” خمس عشرة لوحة فنية تنوعت بين الرقصات الشعبية الأرمنية، والعروض المسرحية التعبيرية، والباليه، فى برنامج عكس ثراء التراث الفنى الأرمنى وتنوع مدارسه.
شهدت الأمسية، مشاركة واسعة للأطفال والشباب الذين ارتدوا الأزياء الفلكلورية التقليدية، فى مشهد جسد حرص الأرمن فى مصر على نقل تراثها الثقافى إلى الأجيال الجديدة، ليس من خلال التعليم النظرى فحسب، بل عبر الممارسة الفنية التى تجعل الهوية جزءًا من الحياة اليومية.
وتُعد فرق الرقص الفلكلورى الأرمنية فى المهجر مدارس ثقافية واجتماعية بامتياز، حيث يتعلم فيها الأطفال اللغة والموسيقى والعادات والتقاليد، إلى جانب قيم الانتماء والعمل الجماعى، وهو ما يمنح هذه الفرق دورًا يتجاوز النشاط الفنى ليصبح جزءًا من عملية الحفاظ على الهوية الوطنية.
ومن أبرز محطات الأمسية، العرض المسرحى التعبيرى The Cross Stealer الذى جمع بين الأداء الدرامى والرقص المعاصر، مقدمًا لوحة فنية جسدت قدرة الفن على رواية القصص التاريخية والإنسانية دون كلمات.
كما استحوذت رقصة Kochari على اهتمام الجمهور، وهى إحدى أشهر الرقصات الشعبية الأرمنية وأكثرها ارتباطًا بالهوية الوطنية، وتتميز بحركاتها الجماعية وإيقاعها القوى الذى يرمز إلى التضامن والقوة والصمود، ولا تزال تؤدى فى مختلف المناسبات الوطنية والاجتماعية فى أرمينيا والمهجر.
وأدرجت هذه الرقصة ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافى غير المادى للبشرية لدى منظمة اليونسكو، تأكيدًا لقيمتها الثقافية والإنسانية.
“حوار ثقافى عبر الفنون”
ولم تقتصر الأمسية على التراث الأرمنى، بل شاركت جوقة وفرقة الرقص التابعة للمركز الثقافى الروسى بعروض غنائية واستعراضية كان من أبرزها رقصة White Swan المستوحاة من فن الباليه الكلاسيكى، إلى جانب عدد من الأغانى الروسية، فى مشهد عكس روح الانفتاح والتعاون الثقافى بين المؤسسات الثقافية والجاليات المختلفة فى مصر.
وأضفى هذا التنوع على البرنامج بعدًا إنسانيًا ورسالة واضحة مفادها أن الفنون رغم اختلاف مدارسها، تمتلك القدرة على بناء جسور التواصل بين الشعوب وتعزيز قيم الاحترام المتبادل.
يعكس نجاح المهرجان، العمل الدؤوب الذى بذله فريق كبير من المتطوعين والمنظمين، وفى هذا السياق، حظيت مدربة الفرقة مريم كارابيتيان بإشادة واسعة تقديرًا لاحترافيتها وجهودها المستمرة فى إعداد الراقصين والارتقاء بالمستوى الفنى للفرقة.
كما كان للمدير العام ومنسقة الفعاليات كارولين مظلوميان، دور محورى فى إدارة وتنظيم المهرجان، إلى جانب فريق الشباب المسؤول عن منصات التواصل الاجتماعى الذين نجحوا فى تقديم حملة إعلامية إبداعية أسهمت فى إبراز الحدث والتفاعل معه، فضلاً عن التصميم الفنى المتميز للملصق الرسمى للمهرجان.
فى ختام الأمسية، أعرب رئيس جمعية الثقافية الأرمنية “هوسابير” شانت جابيان، عن تقديره لأعضاء فرقة “سارداراباد”، مؤكدًا، أن ما يقدمونه لا يقتصر على عروض فنية، بل يمثل رسالة وطنية وثقافية تسهم فى الحفاظ على التراث الأرمنى وتعزيز روح الانتماء لدى الأجيال الجديدة.
من جانبه، أشاد المطران أشود مناتساكانيان بالجهود التى تبذلها الفرقة والجمعية فى خدمة الحياة الثقافية الأرمنية فى مصر، مؤكدًا، أن الحفاظ على المؤسسات الثقافية والتعليمية فى المهجر يمثل امتدادًا للدور الذى اضطلع به الأجداد منذ وصولهم إلى مصر، عندما أسسوا المدارس والكنائس والجمعيات والمراكز الثقافية للحفاظ على هويتهم الوطنية.
كما وجه تحية خاصة إلى شاكيه هوفاجيميان، مشيدًا، برؤيتها فى تأسيس فرقة “سارداراباد”، التى أصبحت على مدى سنوات إحدى أبرز المؤسسات الفنية والثقافية للجالية الأرمنية فى مصر، وأسهمت فى تخريج أجيال متعاقبة من الراقصين الذين حملوا التراث الأرمنى إلى خشبات المسارح داخل مصر وخارجها.
فى ختام الاحتفال، جرى تكريم أعضاء الفرقة والقائمين على تنظيم المهرجان، إلى جانب تكريم مدير المركز الثقافى الروسى.
“الثقافة ذاكرة الشعوب الحية”
لم تكن الأمسية مجرد عرض فنى، بل رسالة ثقافية وإنسانية أكدت أن الشعوب تحافظ على ذاكرتها الجماعية من خلال الفن بقدر ما تحفظها فى الكتب والوثائق.
وفى حالة الأرمن، الذين حملوا تراثهم معهم إلى بلدان الانتشار، أصبحت الموسيقى والرقص والأغنية الشعبية أدوات حية لصون الهوية وتعزيز الانتماء ونقل التاريخ إلى الأجيال الجديدة.
وفى مصر، التى احتضنت الجالية الأرمنية منذ أكثر من قرن تواصل المؤسسات الثقافية الأرمنية أداء هذا الدور محافظة على تراثها الوطنى، وفى الوقت نفسه منفتحة على المجتمع المصرى ومؤمنة بأن الثقافة فى جوهرها، لغة عالمية قادرة على التقريب بين الشعوب وترسيخ قيم الحوار والاحترام المتبادل.
جاءت هذه الأمسية لتجسد هذه الرسالة بامتياز، مؤكدة، أن الفنون ليست مجرد وسيلة للتعبير بل جسر يربط الماضى بالحاضر والوطن بالمهجر، ويجعل الهوية أكثر حضورًا واستمرارًا فى وجدان الأجيال القادمة
