قطعة من تاريخ البشرية تصل إلى يريفان وتعيد إحياء حضارة عمرها ٤٠٠٠ عام
منى سعيد
في حدث ثقافي لافت، قام الأمير داني بدوي بالتبرّع إلى متحف المخطوطات "ماتناداران" في يريفان بلوح طيني نادر منقوش بالخط المسماري، يُمثّل عقدًا قانونيًا مكتوبًا باللغة الأكدية يعود تاريخه إلى الفترة بين ١٧٥٠ - ١٧١٢ قبل الميلاد، أي إلى أواخر العصر البابلي القديم.
الأمير داني بدوي، هو ممثل سلالة بدوي الملكية، والمغني الحائز على جائزة غرامي Mohombi و قام بزيارة متحف المخطوطات برفقة سفير أرمينيا لدى الولايات المتحدة، Narek Mkrtchyan.
هذا الاكتشاف ليس مجرد قطعة أثرية تُعرض في متحف، بل هو وثيقة قانونية حقيقية تُجسّد حياة الناس اليومية في واحدة من أقدم الحضارات في التاريخ، حضارة بلاد ما بين النهرين. في تلك الفترة، كانت اللغة الأكدية تُستخدم على نطاق واسع في الإدارة والتجارة والقانون، وكانت العقود تُكتب على ألواح طينية باستخدام قلم قصبي، ثم تُجفف لتبقى محفوظة لآلاف السنين، كما نراها اليوم.
ما يجعل هذا اللوح ذا أهمية استثنائية هو طبيعته كعقد قانوني، حيث كانت مثل هذه الوثائق تتضمن تفاصيل دقيقة عن المعاملات بين الأفراد، مثل البيع والشراء والقروض، إلى جانب ذكر أسماء الأطراف والشهود، وحتى تاريخ الاتفاق المرتبط أحيانًا بسنة حكم الملك. هذه التفاصيل تمنح الباحثين نافذة مباشرة لفهم الأنظمة الاقتصادية والقانونية والاجتماعية التي كانت قائمة قبل نحو أربعة آلاف عام.
اللوح يعود تقريبًا إلى نفس الحقبة التاريخية التي شهدت حكم الملك حمورابي، المعروف بقانونه الشهير، ما يعزز قيمته العلمية ويضعه في سياق إحدى أهم مراحل تطور التشريع في التاريخ البشري. ومن خلال دراسة هذا النوع من النصوص، يستطيع المختصون في علم الآشوريات إعادة بناء صورة دقيقة عن كيفية إدارة المجتمعات القديمة لشؤونها اليومية، وكيف تطورت مفاهيم القانون والملكية والعدالة.
إن إدخال هذه القطعة النادرة إلى مجموعة متحف "ماتناداران" لا يضيف فقط قيمة علمية وأثرية، بل يعزز أيضًا مكانة يريفان كمركز عالمي لحفظ التراث الإنساني، ويربط الحاضر بجذور الحضارة الأولى. إنها تذكرة قوية بأن ما نعتبره اليوم أنظمة حديثة في العقود والقانون، له جذور عميقة تمتد إلى آلاف السنين، حين كان الإنسان يدوّن حقوقه والتزاماته على الطين، ويتركها إرثًا خالدًا للأجيال القادمة.


