خبير امريكى: الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل التعليم.. والمكتبات حائط الصد الأول ضد المعلومات المضللة
منى سعيد
أكد الدكتور جيف كون، خبير تكنولوجيا التعليم ومدير ساحة الرياضات الإلكترونية بجامعة أوهايو الأمريكية، أن الذكاء الاصطناعي سيُحدث تحولًا جذريًا في مستقبل التعليم، من خلال تقديم تجارب تعلم مخصصة لكل طالب وفق احتياجاته وقدراته الفردية، مشددًا على أهمية تحقيق “العدالة في الذكاء الاصطناعي” لضمان تمثيل جميع الثقافات واللهجات واللغات داخل قواعد ويشارك كون سلسلة من اللقاءات والندوات خلال زيارته إلى مصر في الفترة من 8 إلى 14 مايو 2026، والتي تضمنت محاضرات وفعاليات أكاديمية حول الذكاء الاصطناعي ومستقبل التعليم والبحث العلمي ودور المكتبات في حماية المعرفة.
وقال كون خلال مقابلة صحفية بالسفارة الأمريكية بالقاهرة إن الذكاء الاصطناعي يتيح للطلاب تصميم اختباراتهم وموادهم التدريبية الخاصة، بما يوفر فرص تعلم مخصصة تختلف من شخص لآخر، موضحًا أن هذه التقنيات يمكن أن تمنح كل طالب تجربة تعليمية تتناسب مع مستواه واحتياجاته.
وحول مفهوم “العدالة في الذكاء الاصطناعي”، أوضح أن أنظمة الذكاء الاصطناعي تعتمد على كميات هائلة من البيانات، وبالتالي فإن أي غياب لثقافات أو لهجات أو لغات معينة داخل تلك البيانات يؤدي إلى تهميشها معرفيًا. واستشهد بمثال من زيارته للإسكندرية، عندما اكتشف اختلاف اسم “العلكة” بين اللهجة السكندرية والقاهرية، بينما قدم الذكاء الاصطناعي المصطلح القاهري فقط بسبب كثافة البيانات المرتبطة بلهجة القاهرة مقارنة بغيرها.
وأشار كون إلى أن هذه الفجوة قد تؤدي مستقبلًا إلى اختفاء بعض المعارف المحلية واللهجات الأقل انتشارًا إذا لم يتم تمثيلها رقميًا بصورة عادلة.
وفيما يتعلق بانتشار الفيديوهات والمحتوى المُنتج بالذكاء الاصطناعي، أكد أن الحل يبدأ بنشر الثقافة الرقمية وتعليم الأفراد كيفية التحقق من مصادر المعلومات، موضحًا أن الشركات التقنية بدأت بالفعل في إضافة روابط ومصادر للمحتوى الذي تنتجه أدوات الذكاء الاصطناعي بهدف تعزيز المصداقية والشفافية.
وأضاف أن المكتبات يمكن أن تؤدي دورًا محوريًا باعتبارها “حراسًا للثقة”، لأنها تمتلك محتوى موثقًا وخاضعًا للمراجعة، في وقت تتعامل فيه أنظمة الذكاء الاصطناعي مع جميع البيانات على الإنترنت باعتبارها متساوية، سواء كانت مصادر علمية موثوقة أو مجرد آراء منشورة على وسائل التواصل الاجتماعي.
وفي حديثه عن البحث العلمي، حذر كون من التوسع غير المنضبط في استخدام الذكاء الاصطناعي داخل الأوساط الأكاديمية، مؤكدًا أن نظم التحكيم العلمي التقليدية تواجه ضغوطًا كبيرة نتيجة التدفق المتزايد للأبحاث المنتجة بواسطة الذكاء الاصطناعي.
وأشار إلى أن الباحثين وأعضاء هيئة التدريس مطالبون بالمشاركة بصورة أكبر في مراجعة الأبحاث وفهم كيفية استخدام هذه الأدوات بشكل مسؤول، مؤكدًا أن المشكلة لم تعد محلية، بل أصبحت قضية عالمية تناقشها الجامعات والمؤسسات التعليمية في مصر والولايات المتحدة والبرازيل ودول أخرى.
كما تناول تأثير الذكاء الاصطناعي على مهارات التفكير النقدي لدى الطلاب، موضحًا أن الدراسات الأولية تشير إلى أن الاعتماد المفرط على هذه الأدوات قد يضعف قدرة الطلاب على مواجهة التحديات التعليمية بأنفسهم، خاصة في مهارات الكتابة والتحليل.
وأكد أن الحل لا يكمن في منع الذكاء الاصطناعي داخل الفصول الدراسية، بل في دمجه بصورة واعية تساعد الطلاب على فهم حدوده وإمكاناته، مع الحفاظ على دور المعلم في تنمية التفكير النقدي والإبداعي.
وحول الانتحال العلمي، أوضح كون أن القضية أصبحت أكثر تعقيدًا مع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، لافتًا إلى أن بعض الطلاب غير الناطقين باللغة الإنجليزية قد يتعرضون لاتهامات خاطئة باستخدام الذكاء الاصطناعي بسبب التشابه بين أنماط كتابتهم وطريقة إنتاج النصوص الآلية.
وشدد على ضرورة رفع وعي المعلمين والباحثين بهذه التحديات حتى لا يتعرض الطلاب للظلم أو التقييم غير الدقيق.
وفي ختام حديثه، دعا كون إلى إعادة تقديم المكتبات بصورة أكثر انفتاحًا وتفاعلًا مع الأجيال الجديدة، معتبرًا أن المكتبة الحديثة لم تعد مجرد مكان لحفظ الكتب، بل أصبحت فضاءً متكاملًا للمعرفة الرقمية والإبداع والوصول إلى المعلومات الموثوقة.
ويُعد الدكتور جيف كون أحد أبرز المتخصصين في تكنولوجيا التعليم والوسائط الغامرة بجامعة أوهايو، حيث يركز في أبحاثه ومحاضراته على الذكاء الاصطناعي، والثقافة الرقمية، ومستقبل التعليم، وتأثير التكنولوجيا على السلوك البشري داخل البيئات الرقمية.
