جدل الإيجار القديم والمشاهير: حملة منظمة أم استغلال للتريند؟.. عمرو حجازى


بقلم: مهندس عمرو حجازي

ما إن هدأت النقاشات في أروقة البرلمان عقب إقرار تعديلات قانون الإيجار القديم، حتى اندلعت موجة جديدة من الجدل، لم يكن أبطالها هذه المرة خبراء القانون أو السياسة، بل نخبة من كبار الفنانين والإعلاميين في مصر، بدأت الشرارة بتصريحات مؤثرة للإعلامي محمود سعد، تلتها استغاثة الفنانة نبيلة عبيد التي عبرت عن خشيتها من فقدان مسكنها، حيث فتحت هذه التصريحات الباب أمام سلسلة من ردود الفعل من شخصيات عامة أخرى، مما يطرح سؤالاً جوهرياً: هل نشهد حملة ضغط مضادة وممنهجة للتأثير على القرارات الحكومية، أم أن الأمر لا يتعدى كونه ركوباً لموجة "التريند" الإعلامي؟

جذور الأزمة: حين اختل ميزان الحقوق

لفهم أبعاد القضية الحالية، لا بد من العودة إلى جذورها التاريخية، فحتى أواخر السبعينيات، كان الإيجار بالقوانين الاستثنائية هو النمط السائد للسكن في مصر، حيث انقلب الميزان بشكل حاد لصالح المستأجر، الذي اكتسب حقوقاً شبه مطلقة على حساب المالك، الذي أصبح الطرف الأضعف في المعادلة، يتقاضى قيمة إيجارية زهيدة جمدها القانون، ويفقد السيطرة على ملكه، فلا هو قادر على تعديل الإيجار، ولا استرداد عقاره.

بالطبع، لا يمكن إنكار أن هذه القوانين جاءت في سياق اجتماعي حيث هدفت في الأصل إلى حماية الأسر محدودة الدخل وتوفير سكن مناسب لها، وكان هذا لظروف خاصة مر بها العالم، إلا أن استمرار هذا الوضع لعقود، وتوريث الحق في السكن لأجيال لم تكن طرفاً في التعاقد، وتطبيق القانون بشكل أعمى حتى على المقتدرين، قد أفرغ القانون من هدفه الاجتماعي وحوله في كثير من الحالات إلى أداة للإثراء على حساب المالك، وقد أدى إلى تجميد الثروة العقارية وتهالكها.

المشاهير والإيجار القديم: كشف الخلل لا الدفاع عن الحق

في خضم هذه التحولات، كان العديد من الفنانين والمشاهير، شأنهم شأن قطاعات واسعة من المصريين، يقطنون في شقق إيجار بمناطق راقية وتاريخية، وبينما قد يوجد بالفعل مستأجرون بسطاء تستدعي ظروفهم دراسة متأنية، فإن تسليط الضوء على قضية المشاهير والمقتدرين تحديداً يكشف عن الخلل الجوهري في القانون، الذي لا يميز بين محتاج وغير محتاج، ومع مرور عشرات السنين، ترسخت في الأذهان فكرة "الإيجار الممتد" الذي يشبه الملكية، واعتبر كل مستأجر أن الشقة أصبحت حقاً مكتسباً له ولورثته، متجاهلاً حقوق المالك الأصلي.

صرخة الملاك وتدخل الدولة

على مدى عقود، وتحديداً منذ ثمانينيات القرن الماضي، تعالت أصوات الملاك مطالبين باستعادة حقوقهم التي أهدرها القانون، لكن دون استجابة تُذكر، وعندما تفاقمت الأزمة وأثرت سلباً على الثروة العقارية والمجتمع، بات التدخل ضرورياً، وفي عام 1996، اتخذت الدولة خطوة أولى بتحرير عقود الإيجار الجديدة، مما أدى إلى ظهور مصطلحي "الإيجار القديم" و"الإيجار الجديد" لأول مرة في مصر.

ومع تحرك الحكومة مؤخراً لمعالجة التشوهات العميقة التي خلفها القانون، شكل ذلك صدمة للكثيرين ممن اعتبروا هذه الشقق ملكاً أبدياً، وتجلت المفارقة الصارخة في وقائع مثل قيام ورثة مستأجر بإدراج الشقة ضمن تركة مورثهم، في تجاهل تام لحقيقة أنها ملك لمورث آخر، وحق لورثة آخرين.

ما بين الحق والملكية

إن تصريح فنان شهير بأنه كان يخطط لتحويل شقته المستأجرة إلى "متحف" يخلد ذكراه، يلخص حجم الكارثة الفكرية التي خلفتها هذه الأزمة، فهذا التصريح يكشف عن قناعة راسخة بالتعامل مع ملكية الغير كحق أصيل، والتخطيط لمستقبلها بعد الوفاة.

في النهاية، وسواء كانت تصريحات المشاهير "حملة مضادة" منظمة، أو مجرد "ركوب للتريند"، فإن المؤكد أنها نجحت في تحويل نقاش قانوني معقد إلى دراما اجتماعية يتابعها الرأي العام، والأهم من ذلك، أنها كشفت عن شرخ عميق أحدثه الإيجار القديم، ليس فقط في جدران العقارات، بل في مفاهيم المجتمع عن "الحق والملكية"، وأثبتت أن استمرار القانون بصورته الحالية يخدم من لا يستحق على حساب من يستحق.